أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

114

شرح مقامات الحريري

وقال السّلاميّ : [ الطويل ] إليك طوى عرض البسيطة عاجلا * قطار المطايا أن يلوح لها القصر وكنت وعزمي في الظّلام وصارمي * ثلاثة أشباح كما اجتمع النّسر وبشّرت آمالي بملك هو الورى ، * ودار هي الدّنيا ، ويوم هو الدّهر فالبيت الأوّل والثاني نحو بيت البحتريّ ، والبيت الثالث نحو بيت ذي الرّمة في التقسيم ، وبمثل هذا الكلام يمتدح الملوك وإلّا فلا . ولمّا مدح عضد الدولة بلّغه به من المكانة الغاية القصوى ، وفتن بشعره ، حتى كان يقول : إذا رأيت السّلاميّ في مجلسي ، ظننت أنّ عطاردا نزل من السماء . وسنذكر من شعره ما يحسن . * * * فحين مللنا السّرى ، وملنا إلى الكرى ، صادفنا أرضا مخضلّة الرّبا ، معتلّة الصّبا ، فتخيّرناها مناخا للعيس ، ومحطّا للتّعريس ، فلمّا حلّها الخليط ، وهدأ بها الأطيط والغطيط ، سمعت صيّتا من الرّجال ، يقول لسميره في الرّحال : كيف حكم سيرتك ، مع جيلك وجيرتك ؟ . * * * قوله : « السرى » ، أي السير بالليل . الكرى : النوم . مخضلّة : مبتلّة بالنّدى . الرّبا : الكدى ، واحدها ربوة . معتلّة الصّبا ، أي ليّنة الريح . مناخا : منزلا العيس : الإبل يخالط بياضها حمرة . محطّا : منزلا تحطّ به الأحمال . التعريس : النزول بالليل في آخره ، وهذا التخيّر الذي ذكر لهذه الأرض ، منتزع من حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا كانت أرض مخصبة فتقصّدوا في السير وأعطوا الركاب حقّها ، فإن اللّه رفيق يحبّ الرفق ، وإذا كانت مجدبة فألحّوا عليها ، وعليكم بالدّلجة ، فإنّ الأرض تطوى بالليل ، وإياكم والتّعريس على ظهر الطريق ، فإنه مأوى الحيّات ومدارج السباع » « 1 » . الخليط : الأصحاب . هدأ : سكن . الأطيط : أصوات الإبل ، والغطيط : أصوات الناس النّيام . صيّتا : جهير الصوت . سميره : رفيقه الذي يسمر معه بالحديث . الرّحال : منازل المسافرين ، سمّيت رحالا باسم الرّحال التي توضع فيها ، والرّحل : اسم لما يحمله البعير من حمله وقتبه وما يوطّأ به تحت الحمل . سيرتك : عادتك . جيلك : أهل عصرك . جيرتك : جيرانك . * * * فقال : أرعى الجار ، ولو جار ، وأبذل الوصال لمن صال وأحتمل الخليط ،

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الطهارة باب 21 ، ومالك في الاستئذان حديث 38 ، برواية : « إياكم والتعريس على جوادّ الطريق » .